تملك بريطانيا سجلاً تاريخياً يحمل جانباً مظلماً فيما يتعلق بعمليات الطرد الجماعي لفئات من المجتمع لم ترغب في بقائهم، فقد شهدت مثلاً طرد اليهود حيث تم طردهم من إنجلترا عام 1290 بأمر من الملك إدوارد الأول، واستمر هذا الحظر حتى القرن السابع عشر، إذ لم يسمح بعودتهم علناً إلا بعد أكثر من 350 عاماً*
و الغجر (الروما): شهدوا عبر العصور سياسات طرد وتشديدات مستمرة ضد وجودهم في بريطانيا.
و الهوجونوت الفرنسيون: رغم استقبالهم كلاجئين بروتستانت، تعرض بعضهم لاحقًا لمضايقات ومحاولات طرد مع تغير الظروف السياسية*
و إيرلنديون: خلال أزمنة المجاعة الكبرى واحتلال بريطانيا لإيرلندا، تم تهجير أسر ومزارعين قسرًا وطردهم من أراضيهم*
و أقليات سياسية ودينية أخرى:
هذه السياسات ارتبطت غالباً بأسباب تتعلق بالدين، العرق، أو السياسة، وكان يُنظر للطرد كوسيلة لتحقيق الاستقرار الداخلي أو حماية السلطة أو “النقاء المجتمعي” حسب المفاهيم السائدة آنذاك
عودة سياسات الطرد الجماعي
والان أغلقت بريطانيا فعليًا معظم مسارات الهجرة غير الضرورية من خلال سلسلة إصلاحات صارمة أعلنت عنها الحكومة عام 2025، فوضعت قيودًا جديدة مشددة تشمل رفع الحد الأدنى للمهارات والمؤهلات اللازمة لتأشيرات العمل، وزيادة متطلبات اللغة الإنجليزية لجميع المتقدمين، وإلزام الراغبين في الإقامة الدائمة بشرط الإقامة لعشر سنوات بدلاً من خمس، إلا في حالات استثنائية ترتبط بمساهمة واضحة في الاقتصاد أو المجتمع البريطاني. كما تم تقليص فرص الهجرة منخفضة المهارة، وتقييد تأشيرات الطلاب والمرافقين، وفرض شروط دخل أعلى ومسارات اندماج أقوى للأسَر.
أما بشأن اتفاق بريطانيا مع فرنسا، فتتضمن التفاهمات بين البلدين تعاونًا لتقليل عبور المهاجرين غير النظاميين عبر القنال الإنجليزي وضبط عمليات اللجوء،
بالإضافة إلى ذلك، أوقفت بريطانيا سياسات كانت سابقًا توفر دعماً مباشراً للاجئين مثل استضافتهم في الفنادق، وصعّبت بشكل كبير إمكانيات الحصول على السكن الحكومي، بينما أصبح القطاع الخاص غاليًا وصعب المنال للمهاجرين الجدد.
هذه الحزمة من الإجراءات قلصت فعليًا فرص بقاء المهاجرين غير الشرعيين أو المستجدين في البلاد، ولم تعد هناك خيارات واقعية أمامهم سوى الالتزام بالقوانين الجديدة أو مواجهة الترحيل، ما جعل الهجرة إلى بريطانيا أمرًا بالغ الصعوبة حتى للمقيمين القانونيين الذين يواجهون صعوبات مالية وتنظيمية متزايدة في ظل ارتفاع الرسوم وتكاليف المعيشة.
أيضاً تقليص الدعم القانوني للأشخاص الذين يطعنون في قرارات ترحيلهم، وهناك توجه لتقليل عدد فرص الاستئناف القانونية بهدف تسريع إجراءات الطرد والترحيل.
بذلك، يمكن القول إن الحكومة البريطانية “أغلقت” باب الهجرة بشكل شبه كامل عبر منظومة متشددة لا تتيح البقاء إلا لفئات معينة بشروط معقدة، الأمر الذي سيؤثر سلبًا حتى على أوضاع المهاجرين القانونيين
أقسى من سياسات ترامب
رغم كل ما سبق، يبقى هناك فئات
من اللاجئين في بريطانيا لم تُترك لهم خيارات حقيقية، حيث تراهن الدولة على أن التضييق سيجبرهم على المغادرة، رغم أن هذا خيار غير متاح فعليًا لمعظمهم. فبريطانيا وافقت مؤخرًا على اتفاق مع فرنسا يمكّنها، مقابل قبول طلبات لجوء جديدة لمن لديهم روابط عائلية بها، من إعادة بعض اللاجئين القادمين إليها إلى فرنسا، في حال وضعت آلية لتنفيذه. لكن الأهم هو أن بريطانيا سبقت ذلك بإقرار ” قوانين هجرة أكثر صرامة”، والتي ساهمت أصلاً في زيادة تدفق اللاجئين إليها سابقًا.
تم أيضًا وقف سياسة إيواء طالبي اللجوء في الفنادق بسبب احتجاجات واسعة من المواطنين، ما يجعل اللاجئ بلا مأوى؛ فالبقاء في الشارع مستحيل تقريبًا خاصة في الشتاء القارس، ناهيك عن أن المتسولين لم يعودوا يحصلون على المساعدة في ظل الاعتماد على المعاملات البنكية بدل النقد. في نفس الوقت، المهاجرون الجدد عاجزون عن استئجار مساكن بسبب غلاء الأسعار وقطع فرصهم في السكن الاجتماعي، ما كان سابقًا من دوافع قدومهم للمملكة المتحدة.
إزاء كل ذلك، لا يبقى أمام أغلب اللاجئين الجدد سوى خيار القبول بالإقامة في “مراكز الهجرة” أو ما يشبه السجون المفتوحة، وهذه بدورها لم تعد تستقبل إلا من صدر بحقه قرار ترحيل. كل هذه السياسات تجعل من الصعب تحديد الخيارات المتاحة حاليًا لأي لاجئ جديد، وتغلق فعليًا باب الهجرة، مما ينعكس بمشاكل كبيرة حتى على من يقيمون في بريطانيا قانونيًا