cirle 1

تداخلات وتعقيدات الصراع السياسي في السودان

أدت الأزمة السياسية في السودان بعد الثورة إلى تشكّل شبكة معقدة من المنافسات المتصارعة والمتداخلة بين الفاعلين الرئيسيين، حيث يواجه كل طرف منهم حالة عميقة من انعدام الثقة الشعبية، خاصة بعد الانقلاب العسكري بقيادة البرهان عام 2021. هذا التشظي، الناتج عن الصراع على الشرعية والمتأثر بإرث طويل من الحكم العسكري، جعل آفاق الاستقرار والتوافق الوطني صعبة المنال.

القوى الرئيسية والانقسامات

الرأي العام السوداني:

يرفض على نطاق واسع عودة الإسلاميين إلى الحياة السياسية (المرتبطين بالنظام السابق)، ويعارض قوات الدعم السريع (الجنجويد)، ويطالب بانسحاب الجيش من السياسة وإصلاح بنيوي للمؤسسة العسكرية. كما أن هناك عدم رضا عام عن القوى العسكرية والمدنية المسيطرة على مرحلة الانتقال، مع وجود دعوات لحل جميع الميليشيات وإعادة هيكلة الجيش.

القوات المسلحة السودانية:

بقيادة البرهان، يواجه الجيش رفضًا شعبيًا لدوامه في السلطة السياسية، ويخوض صراعًا مباشرًا مع قوات الدعم السريع، ويحتفظ بتحالفات خفية مع الإسلاميين. قاعدة دعمه السياسي من باقي الفصائل ضيقة، باستثناء حركة العدل والمساواة.

قوات الدعم السريع:

بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ترفضها الأغلبية المدنية وكل القوى السياسية الرئيسية، بما في ذلك حلفاؤها الإسلاميون السابقون. رغم ذلك، تعقد تحالفات مع فصائل مدنية منشقة وبعض الجماعات المسلحة في جبال النوبة.

القوى المدنية الرئيسية:

بقيادة شخصيات مثل عبد الله حمدوك، تعارض هذه القوى عودة الجيش أو الإسلاميين للحكم، لكن شعبيتها تراجعت وسط النزاع واستبعادها من تقاسم السلطة من قبل الجيش والدعم السريع.

فصائل مدنية منشقة:

تحالفت بعض القوى المدنية مع قوات الدعم السريع عقب انشقاقها عن التيار الرئيسي بقيادة حمدوك.

الحركة الشعبية لتحرير السودان — جناح الحلو:

تحظى فقط بدعم قبلي ومحلي محدود، وترفض من قبل الجيش والإسلاميين، باستثناء تحالفاتها الإقليمية مع الدعم السريع.

الجماعات المسلحة في دارفور:

متحالفة مع الجيش بموجب اتفاق جوبا، لكنها تواجه مطلبًا عامًا بحلها الفوري. دعمها الشعبي ضئيل وفرصها الانتخابية ضعيفة، مما يجعل الانتقال الديمقراطي الحقيقي شبه مستحيل.


هذه الشبكة المتداخلة من التحالفات والعداءات والمصالح المتضاربة كرّست الانقسامات وأدت إلى تصاعد العنف وأزمة إنسانية غير مسبوقة، مع نزوح ملايين الأشخاص وانتشار المجاعة وتعرض الاستقرار الإقليمي للخطر.

هل من حل؟

المحاولات السابقة للوصول إلى تسوية تفاوضية، أو انتقال مدني برعاية الأمم المتحدة، أو عمليات حفظ سلام هجينة (مثل يونيتامس ويوناميد) فشلت نتيجة نقص الإرادة السياسية، وضعف التفويضات، وشح الموارد، وغياب التعاون من السلطات السودانية.
مقترح عملي ولكنه مثير للجدل: تدخل عسكري قوي تقوده الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاقها، بتفويض واضح للفصل بين الفصائل والإشراف على انتخابات نزيهة، قد يكون المسار الأسرع لإعادة النظام وحماية المدنيين — إذا توفرت الموارد الكافية والإرادة الدولية وواجه اعتراضًا محليًا وإقليميًا محدودًا. نجحت مثل هذه التدخلات في إفريقيا عندما توفرت الشروط.
لكن النجاح يتطلب:

تفويض دولي قوي ودعم لوجستي فعّال
تعاون أو على الأقل عدم ممانعة من الأطراف السودانية والإقليمية
الاستعداد لفرض نزع السلاح وضمان حماية المدنيين بالقوة إذا لزم الأمر
إخفاق بعثات الأمم المتحدة الأخيرة يوضح أن غياب الالتزام الدولي المستمر والدعم الداخلي الحقيقي يجعل التدخلات الدولية عرضة للفشل أو فقدان الفعالية، رغم تزايد الحاجة إلى حماية المدنيين وبناء الحكم الرشيد في السودان

Back to top