(تحليل وشهادة شخصية)
منذ تأسيس تويتر عام 2006 كأداة لتسريع تداول الأخبار والمعلومات، تميّزت المنصة بكونها فضاءً جمع بين الصحفيين والنشطاء السياسيين وصنّاع القرار. وقد وصفتها نيويورك تايمز يومًا بأنها «أكبر غرفة أخبار مفتوحة في العالم».
تحوّل تويتر إلى ساحة عامة عالمية يتقاطع فيها الصحفيون والنشطاء وصانعو القرار مع الجمهور في الزمن الحقيقي، بعيداً عن بطء المنصات التقليدية.
لكن ما بدأ كفضاء عام شبه مشترك تحكمه معايير مهنية نسبية، انتهى بعد استحواذ إيلون ماسك إلى نموذج جديد من السيطرة الخوارزمية، تمتزج فيه سلطة المال بالأيديولوجيا. وهنا عاد السؤال الجوهري يطرح نفسه: من يملك اليوم «الساحة العامة» الرقمية؟
كما خلصت دراسة صادرة عن جامعة هارفارد إلى أن «صفقة الاستحواذ على تويتر لم تكن مجرد صفقة تجارية، بل إعادة هندسة لبنية السلطة داخل واحدة من أكثر المنصات السياسية تأثيرًا في العالم».
بالنسبة لي، كمراسل للشؤون الدولية وصحفي استقصائي، كانت منصة تويتر نافذة مبكرة لرصد التوجهات السياسية والإعلامية العالمية. لم أكن مستخدمًا نشطًا بالمعنى الكامل في بداياتها؛ فقد كنت أتابع ما يجري عبر اسم مستعار حفاظًا على الحياد والسلامة المهنية. لكن التحولات التي شهدتها المنصة لم تكن بالنسبة لي موضوعًا للتحليل من بعيد فحسب، بل مسارًا شخصيًا بدأ من الحياد المهني، مرورًا بالنشاط المعارض، وصولًا إلى قرار مقاطعتها نهائيًا.
نقطة التحول الأولى
جاءت نقطة التحول الأولى في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، مع اشتداد الأزمة السياسية في السودان، البلد الذي تربطني به صلات عائلية وثقافية عميقة. حينها دفعتني ضغوط الرأي العام ومطالب القراء باتخاذ موقف واضح، إلى كسر صمتي المهني وإبداء رأيي العلني في قضايا الفساد والاستبداد التي كانت تُعد من المحرّمات.
ما بدأ كمقالات محدودة في مواقع سودانية صغيرة، تحوّل لاحقًا إلى نواة جيل جديد من الصحفيين الذين قرروا الخروج من حياد الصمت واستخدام أدوات التواصل لكشف ما كان محجوبًا. وكما يقول المثل السوداني: «من تبلّلت ملابسه لا سبيل أمامه إلا السباحة».
وجدت نفسي منغمسًا في العمل العام عبر تويتر منذ عام 2011، حين تحولت المنصة إلى ساحة مركزية للنقاش السياسي في السودان، وإلى صوتٍ بديل عن الإعلام الرسمي. ومع قلة المعارضين وقتها على المنصة، كان الطريق مفتوحًا لتشكيل رأي عام رقمي مؤيد لقضايا الديمقراطية والعدالة. وقد أشارت دراسة لمركز الجزيرة للدراسات عام 2015 إلى أن تغريداتنا ساهمت في التعبئة الرقمية التي مهدت لثورة عام 2019 ضد النظام الديكتاتوري.
تويتر كأداة تعبئة ثورية: من التغريدة إلى الشارع
خلال سنوات قليلة، تطور حضور مجموعة صغيرة من المعارضين المؤثرين على تويتر إلى نواة لحالة رقمية معارضة واسعة اجتذبت آلاف المستخدمين من المنصات المحلية المحدودة إلى فضاء أوسع وأكثر تأثيرًا.
وتشير التحليلات البحثية إلى أن شبكات التواصل، وعلى رأسها تويتر، لعبت دورًا محوريًا في بناء جسور بين الداخل السوداني وشتاته، وفي بلورة خطاب ثوري جديد مهد لحراك شعبي واسع. وكما حدث في دول «الربيع العربي» الأخرى، استخدم السودانيون المنصة لتنسيق الاحتجاجات ونشر الشهادات الميدانية وكسر احتكار الإعلام الرسمي للسردية العامة.
لكن الثمن كان باهظًا: تهديدات مباشرة، حملات تشهير، محاولات اغتيال معنوي، واستهداف ممنهج من حسابات منظمة تمثل «مزارع إلكترونية» موالية للسلطة.
ومع ذلك، كانت القيمة الجوهرية لتويتر تكمن آنذاك في التزامه الأخلاقي بحرية التعبير وتعدد الأصوات. غير أن هذه المبادئ بدأت تتآكل مع بيع المنصة إلى الملياردير إيلون ماسك عام 2022، وهو ما وصفه مركز شورنستين بجامعة هارفارد عام 2023 بأنه «تحول بنيوي في هيكل السلطة داخل المنصة، من الرقابة التحريرية المهنية إلى التحكم الأيديولوجي الفردي».
من «الحرية التعبيرية» إلى هندسة الرأي
عام 2022 أعلن ماسك استحواذه على تويتر مقابل 44 مليار دولار، مقدمًا نفسه بوصفه «مدافعًا عن حرية التعبير» في مواجهة ما اعتبره انحيازًا سابقًا للمنصة.
لكن سرعان ما ظهرت نتائج هذا التحول في تراجع انتشار المحتوى الليبرالي وزيادة حضور الخطاب اليميني المتطرف، كما وثقت دراسات جامعة جنوب كاليفورنيا عام 2024 حول «التحيز الحسابي في خوارزميات المنصات».
غير أن جوهر التغيير لم يكن في الشعارات بل في بنية التحكم ذاتها: فقد تحوّلت المنصة من شركة تخضع للمساءلة أمام المساهمين والقوانين، إلى «ساحة عامة يملكها شخص واحد» قادر على تحديد سياسات المحتوى وترتيب ظهور المنشورات، بل وتقرير من يُمنح مساحة ومن يُقصى.
وقد رصدت دراسات لاحقة أن استحواذ ماسك ترافق مع:
- تغييرات جذرية في سياسات التحقق وتحويل العلامة الزرقاء إلى خدمة مدفوعة.
- تقليص واسع في أعداد فرق الإشراف على المحتوى، ووقف التعاون مع جهات بحثية متخصّصة في مكافحة التضليل.
- إعادة تفعيل حسابات متطرفة سبق حظرها، وصعود غير مسبوق لخطابات الكراهية واليمين المتطرف.
الخوارزميات كسلاح سياسي: من التحيّز الخفي إلى التعزيز العلني
أظهرت دراسة حديثة أن الحسابات النشطة ضمن شبكات اليمين المتطرف شهدت بعد استحواذ ماسك زيادة في التفاعل بلغت نحو 70% في إعادة التغريد و14% في الإعجابات، مقارنة بزيادة طفيفة للمستخدمين الآخرين. ورجّحت الدراسة أن هذا الفارق يعود إلى أنشطة المستخدمين المتعاطفين مع هذه الحسابات وربما إلى تعديلات غير معلنة في آلية عمل الخوارزمية.
وقد انعكس ذلك عمليًا في تجربتي الشخصية من خلال:
- انخفاض مفاجئ في أعداد المتابعين رغم استمرار النشاط.
- تراجع واضح في انتشار التغريدات الناقدة للتوجه السياسي الجديد أو لسياسات المنصة.
- تلقي ردود آلية من إدارة المنصة تزعم أن الانخفاض نتيجة «إزالة حسابات آلية»، دون تقديم تفسير منطقي أو ردّ جاد على الأدلة المخالفة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في حذف تغريدة أو تعليق حساب، بل في توجيه تدفق المعلومات ببطء وهدوء، بحيث لا يعي المستخدم أنه يتعرض لإعادة تشكيل يومية لوعيه السياسي.
بهذا المعنى، لم تعد الخوارزمية مجرد أداة تقنية، بل تحوّلت إلى لاعب سياسي يمارس «هندسة للرأي العام» عبر التحكم في من يُسمع صوته ومن يُطمر في أعماق المنصة.
حرية التعبير بين الشعار والتطبيق الانتقائي
رفع ماسك شعار «حرية التعبير» لتبرير تخفيف القيود على المحتوى وإعاد بعض الشخصيات المثيرة للجدل التي كانت محظورة سابقًا. غير أن متابعة مآلات هذا «التحرير» تكشف طبيعته الانتقائية؛ إذ اتسعت مساحة خطاب الكراهية والعنصرية والمعلومات المضللة، بينما استمر تهميش بعض الأصوات الصحفية والليبرالية، خصوصًا تلك التي تنتقد المالك الجديد أو الخطابات اليمينية المتطرفة.
تحذّر الدراسات من أن «حرية التعبير» حين تُمارس بلا معايير واضحة وشفافة، تتحول من قيمة ديمقراطية إلى غطاء أيديولوجي يبرّر الإفلات من المساءلة لمن يمتلك القوة والأدوات.
الاقتصاد الجديد للمنصة: الدفع مقابل الظهور
أحد أبرز التحولات التي غيّرت جوهر المنصة كان الانتقال من منطق «تكافؤ الوصول» إلى منطق «الدفع مقابل الظهور». تحوّلت علامة التوثيق، التي كانت وسيلة للتحقق من الهوية، إلى خدمة اشتراك مدفوعة تمنح أصحابها امتيازات في الانتشار والوصول إلى الجمهور.
هذا التغيير ألحق أضرارًا جسيمة بالمؤسسات الإعلامية المستقلة والصحفيين الأفراد، إذ وجدوا أنفسهم أمام خيارين:
- الدفع لمجاراة قواعد اللعبة الجديدة، أو
- القبول بالتهميش التدريجي في فضاء كانوا من صانعي تأثيره الأوائل.
هكذا أصبحت «إكس» اليوم أداةً لتقويض النقاش العام لا لتوسيعه.
وما يجعل التجربة أكثر إيلامًا أن المنصة التي كانت يومًا رمزًا للثورة الرقمية والديمقراطية الشعبية تحولت إلى صدى لأصوات التطرف ورأس المال. لم تعد «تويتر» منصة للكلمة الحرة، بل غدت تهديدًا أمنيًا حقيقيًا للمجتمعات وحقها في الوصول إلى الحقيقة.
إننا اليوم، كصحفيين ومواطنين، أحوج من أي وقت مضى إلى إعادة تعريف علاقتنا بالمنصات الرقمية، والمطالبة بتشريعات عادلة توازن بين حرية الرأي والمسؤولية الاجتماعية في الفضاء الإلكتروني. فالصمت أمام السيطرة الخوارزمية يشبه الاستسلام لرقابة خفية لا تقل خطرًا عن استبداد الأنظمة القديمة.

