cirle 1

حين تحول اليأس إلى شرارة ثورة وبقي سؤال الوجود في وطن مأزوم

في عمق السودان، حيث تلتقي ضفاف النيل بأحلام الشباب، تتجلى أزمة البطالة ليس فقط كظاهرة اقتصادية، بل كمعضلة وجودية تهدد معنى الحياة نفسها. هناك، في بلد تآكلت أطرافه بفعل الحروب والانقسامات، وتوقف نبض اقتصاده مع انفصال الجنوب وضياع عائدات البترول، أصبح الشباب، وهم الأغلبية الساحقة من السكان، يقفون على حافة هاوية سحيقة. هاوية يتردد صدى السؤال فيها: ما جدوى البقاء في وطن لا يمنحك سوى الانتظار؟

من القرى إلى المدن: هجرة المعنى وضياع الجذور
لم تكن الهجرة من القرى إلى المدن مجرد انتقال مكاني، بل كانت هجرة للمعنى، وخلعًا للجذور. فالقرى التي كانت يومًا ما مهدًا للزراعة والرعي، فقدت بريقها أمام سياسات اقتصادية غير متوازنة، أهملت القطاعات الإنتاجية، وخلقت أجيالًا من خريجي الجامعات بلا أفق. لم يعد هناك ما يربط الشاب السوداني بقريته سوى الذكرى، فاندفع إلى المدن الكبرى، يحمله الأمل في عمل يليق بتعليمه، أو على الأقل، في حياة أكثر رحمة.

لكن المدن السودانية، المثقلة أصلًا بضعف بنيتها التحتية وقلة مواردها، لم تكن سوى محطات انتظار أخرى. ازدحمت الشوارع بأحلام معلقة، وتحوّل البحث عن العمل إلى صراع يومي من أجل البقاء، حيث باتت البطالة سيفًا مسلطًا على رقاب الجميع، يهدد الاستقرار الاجتماعي والنفسي على حد سواء.

الهجرة الكبرى: مغامرة الحياة على حافة الموت
حين ضاقت المدن، اتسعت حدود الحلم. بدأ الشباب السوداني يحزم حقائبه، لا بحثًا عن رفاهية، بل هربًا من واقع يزداد قسوة. كانت الهجرة في بداياتها قانونية إلى دول الجوار، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر عبر الصحارى والبحار، بحثًا عن ملاذ في أوروبا أو أي بقعة على وجه الأرض تمنحهم فرصة جديدة. هجرة اليأس هذه لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت في جوهرها صرخة وجودية: “نريد أن نعيش”.

بين مطرقة البطالة وسندان النظام القمعي
أما أولئك الذين لم يغادروا، فقد وجدوا أنفسهم أسرى واقع أكثر قسوة. نظام دكتاتوري متسلط، يتغذى على الفساد، ويستثمر في معاناة الشباب، إما بتجنيدهم في حروبه العبثية، أو بإغراقهم في مستنقع الإحباط. هنا، يصبح الشاب السوداني أمام خيارين: أن يموت ببطء في انتظار الفرج، أو أن يثور على واقعه ويبحث عن معنى جديد للحياة.

الثورة السلمية: من اليأس إلى الأمل
وهنا تجلت المفارقة الفلسفية الكبرى: من رحم اليأس تولدت شرارة الأمل. لم يختر الشباب السوداني طريق العنف، رغم كل الإغراءات والدروس الدموية في الجوار. بل اختاروا الثورة السلمية، حاملين على أكتافهم إرث ثورات سابقة في 1964 و1985، حين أسقطوا أنظمة عسكرية بصدور عارية وإرادة لا تلين.

اندلعت الثورة، وملأت الشوارع هتافات الحرية والكرامة. لم تكن ثورة ضد نظام سياسي فحسب، بل كانت ثورة ضد فلسفة القهر، ضد فكرة أن الإنسان مجرد رقم في معادلة السلطة. نجح الشباب في إسقاط النظام، وأعادوا كتابة جزء من تاريخهم، لكنهم حين نظروا إلى الأمام، أدركوا أن الطريق إلى الحرية الحقيقية ما زال طويلًا.

تحديات ما بعد الثورة: عبء الإرث وصراع المصالح
سقوط النظام كان لحظة فارقة، لكنه لم يكن نهاية المطاف. فقد تركت الدكتاتورية وراءها إرثًا ثقيلًا من الفساد والانقسامات، واقتصادًا منهارًا، ومليشيات متعطشة للسلطة. القوى الداخلية والخارجية التي استفادت من الفوضى لم تكن لتسمح بانتقال سهل إلى الديمقراطية. وهكذا وجد الشباب أنفسهم أمام تحدٍ أعقد: كيف يبنون دولة مدنية ديمقراطية وسط هذا الركام؟

إعادة إنتاج الدكتاتورية: دائرة اليأس المغلقة
في خضم هذه الفوضى، تجددت الأزمة، وظهر على السطح نظام دكتاتوري جديد، لا يقل قسوة عن سابقه. كأنما كتب على السودان أن يدور في حلقة مفرغة من الأمل المجهض والثورات المنهوبة. ومع ذلك، لم تنطفئ جذوة الأمل. فكل تجربة قاسية، وكل روح شهيد، تظل تذكر الأجيال الجديدة بأن النضال من أجل الحرية لا ينتهي بسقوط طاغية، بل يبدأ من تلك اللحظة.

في انتظار الفعل: مسؤولية المجتمع الدولي
ورغم الدعم الدولي المعنوي الكبير، إلا أن الكلمات وحدها لا تصنع التغيير. إن الشباب السوداني بحاجة إلى دعم عملي، إلى استثمارات تخلق فرص عمل حقيقية، وتمنحهم حافزًا للاستمرار في نضالهم السلمي. فالديمقراطية لا تبنى بالتصفيق من بعيد، بل بالفعل المشترك، وبإيمان المجتمع الدولي بأن استقرار السودان هو استقرار للمنطقة والعالم.

خاتمة: فلسفة الأمل في مواجهة العبث
هكذا يقف الشباب السوداني اليوم على مفترق طرق وجودي. بين ماضٍ مثقل بالجراح، وحاضر يضج بالتحديات، ومستقبل لا يزال غامض الملامح. لكنهم، رغم كل شيء، يواصلون الحلم، ويصرون على أن يكون لهم دور في صناعة مصيرهم. فربما كان الأمل هو الفلسفة الوحيدة القادرة على مواجهة عبث الواقع، وتحويل القنبلة الموقوتة إلى طاقة تغيير وبناء

Back to top